ديانا محمود ..

خط الإيرانيون تقويمهم السنوي على نبض الطبيعة، يبدؤون سنتهم الجديدة مع الربيع واحتفالات النوروز وينهونها مع مغيب الشتاء عابرين خلالها باحتفالات مختلفة مجدولة بمواسم الحصاد والزراعة وألوان الفصول، هكذا أيضاً هي احتفاليتهم بليلة يلدا الشهيرة المقترنة بالانقلاب الشتوي ليلة 21 كانون الأول من كل عام.

يقول آرش (33 عاماً) “لم أكمل وأنا صغير حكايات جدّتي في احتفالات ليلة يلدا كنت أغفو قبل أن تنتهي الحكاية، ولذا بقيتْ قصصها مفتوحة لا نهاية لها، بعد رحيل جدّتي امتطيت بنفسي صهوة الرواية لأحكي عن يلدا وقصصها لبقية أطفال العائلة، لكنٍ بنهايات نسجتها بنفسي”، تبدو قصة ليلة يلدا الإيرانية تشبه حكايات جدّة الشاب آرش كلٌ يضيف إليها رؤيته الخاصة لتزداد مع مرور الزمن  تنوّعاً في الشكل والمضمون. فاحتفالية ليلة يلدا تشبه جميع أفراحنا الصغيرة التي ورثناها بسرور من جدنا الانسان المزارع ونقلناها إلى مدننا العصرية كأصيص زهور برية في شققنا الاسمنتية. 

يلدا ليلة انقلاب الشتاء وولادة الشمس

تقول أستاذة جامعة طهران “جاله أموزكار” أنّ ليلة يلدا تقوم على ظاهرة فلكية وهي ولادة الشمس يوم الانقلاب الشتوي، حيث كان يعتقد الإيرانيون القدماء أن الشمس تبقى ثابتة عدة أيام، ثم تتحرك من جديد ليلة الانقلاب.

يضيف الباحث الإيراني “أبو القاسم إسماعيل بور مطلق” أنّ كلمة “يلدا” مأخوذة من اللغة السريانية وتعني الولادة، والمقصود هنا ولادة الشمس، كما يسمي أبو ريحان البيروني أيضاً ليلة يلدا بالميلاد الأكبر نسبةً لولادة الشمس. والمقصود بالولادة هي الحركة الظاهرية للشمس واقترابها من مدار الجدي لتصبح عامودية (عمودية) عليه في صباح ليلة يلدا إي 21 ديسمبر/ كانون الأول.

تبيّن الأستاذة أموزكار أنّ هذه الظاهرة الفلكية تحدث بطبيعة الحال مرتين في السنة عند الانقلاب الصيفي والانقلاب الشتوي لكنّ الاحتفالية مقرونة في الأخير بأسباب طبيعية عاشها الانسان المزارع، فالخوف من الشتاء والعتمة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بليلة يلدا كونها أطول ليلة في السنة، حثّ الإنسان على رسم طقوس خاصة لهذه الليلة يُقدّر فيها نعمة الدفء والطعام الذي جناه في الصيف ويستذكر قدْر تعاضده مع الآخرين من أبناء جنسه.

ليلة حمراء من لون الشمس

أهم ما في ليلة يلدا هو انتظار بزوغ الشمس، وكأن الإنسان القديم كان يخشى على الشمس أنْ لا تشرق بعد أطول ليلة في السنة، فجلس ينتظرها يحاكيها بألوانها الحمراء، يلوّح لها بالرمان والبطيخ الأحمر والنبيذ، يغازلها بالشعر مستأسناً قرْب نار حمراء، هي نفسها الطقوس الأولى ورثها الإيرانيون عن قدماء المنطقة، فشرط ليلة يلدا هو قضاء السهرة مع العائلة والأصدقاء حتى طلوع الشمس بأجواء دافئة يحيط بها اللون الأحمر في الطعام والشراب والزينة، فهو لون الفرح والصحة تقول الأنشودة الفارسية التي تخاطب النار: إصفرارك منّي ولوني الأحمر منك، في تقديس مبطّن للنار والشمس.

يقول مولانا جلال الدين الرومي: (للقاء القرين بالقرين فائدة، وأفضل الألوان اللون الأحمر وهو قرين الشمس ومنها)، وربما يصدق قول مولانا على احتفالية ليلة يلدا، فكل العناصر الاحتفالية لونها أحمر، بالطبع تختلف هذه العناصر من منطقة إلى أخرى في إيران، فلكل منطقة محصولاتها الخاصة التي تضعها على المائدة، لكن البطيخ الأحمر هو القاسم المشترك بين كل الموائد الاحتفالية في إيران، يعتقد الإيرانيون أنّ تناول البطيخ الأحمر في هذه الليلة يقي من أمراض الشتاء والبرد طيلة العام، كما أنّ لطراوة وحلاوة البطيخ الأحمر مقارنةً بقشرته القاسية إسقاطات للأمل بالدفء والحرارة بعد شتاء بارد.

على مائدة يلدا أيضاً يأتي الرمان الأحمر إلى جانب المكسرات المتنوعة كجزء من السهرة، وفواكه أخرى كالحمضيات والخرما، كما تستضيف هذه المائدة النبيذ أحياناً، كل هذا إلى جانب الشمع وديوان الشاعر الإيراني حافظ شيرازي الذي لا يفارق طقساً من طقوس إيران، لكنْ في هذه الليلة اعتاد الإيرانيّون على التفاؤل بأشعار حافظ فيقرا أحد المدعوين أشعاراً مختلفة باسم جميع المدعوين ليكشف حظهم القادم.

في مدينة همدان تقرأ الجدة أو أكبر سيدة مسنة في العائلة فأل حافظ للجميع بترتيب جلوسهم في الغرفة وبين كل شعر وآخر تقوم أصغر فتاة في العائلة بنخز إبرة على قماشة كاملة غير مقصوصة، في رمزيات خاصة لأهل المنطقة، أما في مدن خراسان أي شرْقِيَ إيران فتقرأ قصصا من الشاهنامة الفردوسي كتقليد في ليلة يلدا.

يلدا ليلة القصص والأساطير

بعد عشاء يوم 20 ديسمبر/ كانون الأول تبدأ احتفالية ليلة يلدا، وتمتد حتى ساعات الصباح، وتفتح الموائد الشهية المملوءة بالفواكه والمسكرات، يقرأ أحدهم الشعر وربما يعزف آخر، لكن للقصة نصيبها الجميل من هذه الليلة فيتوجّب على الجد والجدة أو أي مُسنّ في العائلة سرْد حكاياتهم الخيالية للصغار والكبار، عليهم أنْ يرْوُوا ما يعرفون منْ أساطير وأنْ ينقلون بحب ما وصل إليهم عن هذه الليلة،  فلا يلدا دون حكاية.

في بعض المناطق في إيران تنتشر أساطير خاصة في ليلة يلدا، يقول الباحث محمود روح الله الأميني: إنّ أهل مدينة كرمان وسط جنوب إيران كان يسهرون حتى مطلع فجر يلدا في انتظار قارون الأسطوري، الذي يأتي إليهم بلباس حطّاب ويحضر للعائلات الفقيرة قطعاً من الحطَب، وحسب الأسطورة ستتحول لاحقاً إلى ذهب وتجعلهم أغنياء.

في أغلب القرى الإيرانية يتحلّق الناس في ليلة يلدا حول المدْفأة التقليدية المسماة بـ”الكرسي” والتي تُجْبر الجميع على الاندساس تحت لحاف واحد للحصول على الدّفء، فوق هذا اللحاف يضعون مكسراتهم وأطعمتهم الملونة ثم يتوجب على كل فرد من العائلة إشعال شمعة اعتقاداً منهم أنّها ستضيء عتَمة الأيام المقبلة. 

تقول هُما (24 عاماً): ذكرياتي في ليلة يلدا عديدة وكلها مقترنة بالعائلة فالجد والجدة هم محور ليلة يلدا بيتهم الدافئ البسيط وتوافد جميع أفراد العائلة إلى منزلهم هو الاحتفال، فلا يمكن للرمان وغيره أنْ يُصنع لك فرحاً. تضيف هُما: في السنوات الماضية كانت أغلب العوائل تفرض على الداخل إلى بيت الجدة وضع أجهزة الخليوي في سلّة أمام الباب فهذه الليلة ليست لمواقع التواصل الاجتماعي، وللمفارقة هذا العام سنجلس تعساء أمام هذا الخليوي للاحتفال عن بُعد مع من نحب خوفاً عليهم من فيروس كورونا.

يلدا وكورونا والجيل الجديد

تعتقد المختصة في علم الاجتماع بريسا مازندارني أنّ ليلة يلدا كبقية المناسبات في إيران والعالم أصحبت ضحية التجار الذين يحاولون فرْض مفاهيم جديدة لهذه الاحتفالية تناسب أرباحهم، فارتداء اللون الأحمر لم يكن من تقاليد ليلة يلدا مع اقترانها بطبيعة الحال بهذا اللون، لكن السوق التجارية بدأت عبْر بضائعها المغرية للشباب بحرف بعض التقاليد عن جماليتها الأولى.تقول السيدة سيمين (67 عاماً) لبوابة تونس: يلدا اختلفت قليلاً عمّا عشناه نحن في أيام شبابنا لكن التقليد الرئيسي لهذا الاحتفال وهو الاجتماع في منزل الجد أو أكبر شخص في العائلة، لا زال رائجاً بين العائلات الإيرانية، بالطبع هذه السنة ستكون استثناءً بسبب كورونا فلا يمكن لنا المخاطرة بحياة من نحبّ من أجل الاحتفال معاً مع أنّ الأمر قاسي لنا لكنه أفضل، فهذه السنة ستكون ليلة يلدا مختلفة وربما أقل دفئاً.

اترك تعليق